محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

78

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وسيأتي من مناجاة المؤلف رحمه اللّه في مثل هذا المعنى قوله : « إلهي كم من طاعة بنيتها . . . وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك ، بل أقالني منها فضلك » . لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ، ويحتقر عندك وجوده . في النسخ الموجودة بأيدينا « لا عمل أرجى للقلوب » ، ومعناه على هذا الوجه : إن العمل الموصوف بهذه الصفة لا يلتفت إليه القلب ولا يعتبره ، وفي عدم التفاته واعتباره صلاحه وتحرره من رقّ رؤيته ، فيبقى حينئذ مع ربه لا مع عمله ، ويكون ذلك على حذف مضاف تقديره : لا عمل أرجى لصلاح القلوب ، أو ما في معناه . وسيأتي من كلام المؤلف ما يناسب هذا المعنى ، وهو قوله : « قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم . . . الخ » . والغالب على الظنّ أنّ الذي قصده المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، وذكره إنما هو لفظ « القبول » فغلط الناسخ فقلب حروفه ، ولا يحتاج في هذا إلى حذف ، وتقريره على هذا الوجه أن تقول : سلامة العمل من الآفات شرط في قبوله ، لأن صاحبه متّق للّه تعالى ؛ وقد قال ، عزّ من قائل : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] . وإنما يسلم العمل من الآفات باتهام النفس في القيام بحقه ورؤية تقصيره فيه ، فيغيب عنه إذ ذاك شهوده ويحتقر عنده وجوده ، فلا يساكنه ولا يعتمد عليه ، فإن لم يكن على هذا الوصف بل كان ناظرا إليه مستعظما له ، غائبا عن شهود منّة اللّه تعالى عليه في توفيقه له أوقعه ذلك في العجب فحبط لذلك عمله وخاب سعيه ، قال أبو سليمان الداراني رضي اللّه عنه : « ما استحسنت من نفسي عملا فاحتسبته » وقال عليّ بن الحسين ، رضي اللّه تعالى عنه : « كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتك ، فذلك دليل على أنه لم يقبل منك ، لأن القبول مرفوع مغيّب عنك ، وما انقطعت رؤيتك فذلك دليل على القبول » . وقد سئل بعض العارفين : « ما علامة قبول العمل ؟ قال : نسيانك إيّاه وانقطاع نظرك عنه بالكلية ، بدلالة قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] قال : فعلامة رفع الحق تعالى ذلك العمل أن لا يبقى عندك منه شيء ، فإنه إذا بقي في نظرك منه شيء ولم يرتفع لبينونة بين عنديّتك وعنديّته ، فينبغي للعبد إذا عمل عملا أن يكون عنده نسيا منسيا بما ذكرناه من اتهام النفس ورؤية التقصير حتى يحصل له قبوله . إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا .